كتبت: لمياء حجر
الثامن من مارس من كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي للمرأة؛ اليوم الذى انتزعته مجموعة من العاملات عُنوة ليصبح شاهدًا على تخليد نضالهن من أجل العدل والمساواة
النشأة التاريخية :
في عام 1908م أى منذ أكثر من قرنٍ خرجت آلاف من النساء العاملات في مصانع النسيج في مدينة نيويورك الأمريكية في مظاهراتٍ حاشدة، هدفها وجوهرها هو المطالبة بحقوقهن والتى لم تكن طلبات تعجيزية بل كانت أقل الحقوق الآدمية التى يحصل عليها الفرد في بيئة العمل :
ومن أبرز تلك الحقوق
تحسين بيئة العمل من خلال جعلها آمنة على أرواحهن، عبر تقليل الحوادث، ومنحهن فترات راحة آدمية، وتقليل ساعات العمل.
حيث كانت النساء العاملات يكابدْنَ يوم عملٍ شاق يمتد لأكثر من ست عشرة ساعة، ثم يحصلن فوق ذلك على أجرٍ أقل بكثير من الرجل، رغم قيامهن بالأعمال نفسها
فكان من أهم مطالبهم أجر متساوٍ مقابل عمل متساوٍ
فكانت تلك الأسباب هى التى جعلت النساء ينتفضن لأول مرة من أجل حقوقهن
بعد قرونٍ من الصمت المتوارث.
على الرغم من أن مطالبهن قوبلت بالرفض والقمع الأمني وتعرض البعض منهن إلى الفصل والطرد من عملهن
لكن تلك المظاهرات كانت بمثابة الشرارة التى اندلعت ولم تنطفئ إلى اليوم
وتحولت من مجرد مظاهرات إلى حركة واسعة دعمتها قيادات نسوية مثل
Clara Zetkin
التي اقترحت في مؤتمر المرأة الاشتراكية بـ Copenhagen تخصيص يومٍ دولي لدعم قضايا النساء. وبالفعل، شهد عام 1911 أول احتفال رسمي في عدة دول أوروبية، معلنًا أن قضية المرأة لم تعد شأنًا محليًا، بل قضية عالمية
وبعد سنوات من الضغط والنضال، بدأ الاعتراف التدريجي بحقوق النساء سياسيًا وعمليًا، إلى أن اعتمدته رسميًا
United Nations
عام 1975 كيوم عالمي.
وهكذا انتقل الثامن من مارس من كونه صرخة احتجاج في الشارع إلى منصة عالمية تُسمَع فيها أصوات النساء من مختلف القارات
أبرز الأهداف الأساسية التى يؤكد عليها اليوم العالمي للمرأة
1- المساواة بين الجنسين : من خلال العمل على تقليل الفجوة في الأجور والإمتيازات وضمان حصول المرأة على نفس الحقوق التى تمنح للرجل
2- تمكين المرأة اقتصاديا وسياسيا : من خلال دمجها في سوق العمل بمختلف أطيافه ومراكزه القيادية
3- تسليط الضوء على قضايا العنف والتمييز التى تتعرض لها المرأة: مثل التمييز الجندري، والتحرش، والإغتصاب
4- الاحتفاء بإنجازات النساء: في كافة المجالات العلمية والفنية والرياضية
5- عبء العمل غير المدفوع
المرأة غالبًا تتحمل مسؤوليات الرعاية المنزلية والأسرية إلى جانب عملها المهني، دون اعتراف اقتصادي حقيقي بهذا الجهد
6- تقييم ما تحقق وما لم يتحقق
اليوم ده بمثابة وقفة سنوية لمراجعة التقدم المحرز في قضايا المرأة عالميًا
بين الماضي والحاضر
لم تخرج نساء عام 1908 بدافع الاحتفال، بل بدافع الحاجة والضيق. كنّ يعملن ساعات طويلة بأجور زهيدة، في ظروف لا تضمن لهنّ أمانًا ولا كرامة، فكان الخروج إلى الشارع وسيلتهن الوحيدة للاعتراض. لم يكن الأمر ترفًا فكريًا، بل ضرورة فرضها الواقع.
اليوم تغيّرت أشياء كثيرة؛ أصبحت المرأة أكثر حضورًا في ميادين التعليم والعمل والسياسة، وصارت القوانين تنصّ على حقوقٍ لم تكن معترفًا بها من قبل. ومع ذلك، لا يمكن القول إن الطريق قد اكتمل. فما زالت فجوة الأجور قائمة في أماكن عديدة، وما زال التشكيك في كفاءة المرأة يظهر كلما اقتربت من موقع قيادة، وما زالت بعض العوائق غير المعلنة تحدّ من فرصها.
لقد أصبح التحدي أقل صخبًا مما كان عليه في الماضي، لكنه أكثر تعقيدًا. لم يعد الرفض يُقال صراحة في كثير من الأحيان، بل يُمارس في صورة تفضيل غير معلن، أو فرص تُمنح لغيرها، أو سقفٍ خفيّ لا يُعترف بوجوده. وهكذا يبقى الثامن من مارس تذكيرًا بأن ما تحقق مهم، لكنه غير كافٍ، وأن العدالة لا تُقاس بوجود النصوص وحدها، بل بتحققها في الواقع.
وبوصولنا إلى عام 2026 يمكننا القول قطعًا أن تحديات المرأة ليست واحدة في كل مكان فـ احتياجات المرأة في دول النزاعات والحروب، تختلف عن احتياجاتها في الدول التى تنعم بالسلام والحقوق الغير منتهكة من قبل السياسات والمصالح الدولية
ولعلنا لا ننسي أنه بالتطور الكبير الذى يشهده قطاع التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي أصبح تحديًا جديدًا على المرأة بمختلف جنسياتها وعمرها
فـ هى تحارب على شقين، الأول هى تمكينها إلى الوصول إلى هذه الطفرة الجديدة والتمكن من استخدامها، والآخر هى حماية حقوقها التى تنتهك بشكل يومي من خلال العنف الإلكتروني بمختلف أنواعه.
وختامًا هل يومًا واحداً يكتفي لنصف المجتمع ؟
الإجابة قطعًا هى لأ؛ هذا اليوم مجرد تذكير بأن النصف لا يليق بها سوى المناصفة في كل شئ



